المجتمع الذكوري

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

 

"العمل تعليمياً على إزالة مفهوم المجتمع الذكوري من عقلية الطفل أمر لازم إذا ما أردنا تطوير فكرة حقوق الإنسان في العالم العربي، حيث تتم تنشئة الطفل "الذكر" على تبني فكرة المساواة بينه وبين الأنثى، وذلك من خلال ترسيخ مفهوم "الإنسان" لذاته دون أي معيار جنسي يتصل بالذكورة أو الأنوثة، أي معيار بيولوجي، لتكون مثل هذه المناهج رافداً أو روافد مهمة لتدريب الطفل الذي سيصبح شاباً ثم رجلاً في المجتمع على تقبّل الأنثى كإنسان مثلها مثله"

 


بعيداً عن المؤيدين والمعارضين للحقوق السياسية للمرأة سواء في الكويت أو غيرها، تطرح القضية موضوعاً مهماً لا يزال الجميع يتجاهله، ألا وهو "المجتمع الذكوري"، المجتمع العربي الذي يرى الرجل هو المتفوق في كل شيء، وأن المرأة في نهاية الأمر ليست سوى "شيء" وليست "إنسانة" مثله. نعم، ما يجب أن نعترف به أن المرأة "شيء" للمتعة كزوجة بدليل آراء بعض الفقهاء القاضية بأن المرأة للفراش، بل ذهب بعضهم إلى أنه إذا عجزت عن تحقيق ذلك للرجل بسبب المرض مثلاً عليها أن تعود إلى بيت أبيها للعلاج، ثم تعود للزوج بعد الشفاء، وأنه لا حق للرجل أن يطالبها بالخدمة لأنها ليست لذلك، فالمرأة كما يقول الماوردي في "أدب الدنيا والدين": المرأة ريحانة وليست قهرمانة (أي خادمة).

الذكر سواء كان طفلاً أم رجلاً هو ولي أمر المرأة، الطفل الذكر هو ولي أمر المرأة غير المتزوجة، ومرتبها في الوظيفة أقل من مرتب الرجل، وحتى في تحديد المقاعد في الدراسة الجامعية، الأولوية للطالب الذكر كما في كليتي الطب والهندسة على سبيل المثال. وحرية المرأة في التنقل مقيدة مقارنة بالرجل، وإذا ما تزوجت أجنبياً تسقط حقوقها المدنية مثل حصول الأولاد على جنسية الأم في وطنها، أما إذا تزوجت شخصاً بدون جنسية كما هو الحال في الكويت وغيرها، فقل على حقوقها السلام في السكن والقرض الحكومي. ونظرة المجتمع للمرأة المطلقة نظرة دونية، ولا ينكر هذا إلا مكابر، وما تتعرض له المرأة من تحرش جنسي أمر يرفض الجميع مناقشته، بل تخشى المرأة اللجوء إلى المؤسسة القانونية فيما لو حصل لها مثل هذا التحرش خشية الفضيحة! هل نحن بحاجة إلى عرض صورة الأب الذي يرزقه الله البنات؟ وهل ننكر جميعاً أننا كآباء نفتخر بالابن، ولا نفتخر بالبنت حتى لو كانت في أعلى المراتب؟ وهل ننكر رفض الكثيرين عمل بناتهم في مجال الفن مثلاً؟.

إذن القضية ليست قضية حقوق سياسية، بل فكرة اجتماعية سائدة بشكل عام حول تفوق الذكر على الأنثى، وهو من الموروث العربي حتى ولو كان "الذكر" دون الأنثى في العلم والمكانة الوظيفية. لذلك يحتاج الإنسان العربي، إلى تغيير نظرته إلى الأنثى، من خلال المناهج التعليمية. وقد أثبتت إحدى الدراسات الأكاديمية الجادة، وقد قامت صحيفة "القبس" الكويتية بتمويلها ونشرها، أن المناهج الدراسية الكويتية لا تذكر المرأة إلا كأم أو زوجة، أما دورها في المجتمع كمدرّسة أو مسؤولة أو موظفة، فلا ذكر له في هذه المناهج.

العمل تعليمياً على إزالة مفهوم المجتمع الذكوري من عقلية الطفل أمر لازم إذا ما أردنا تطوير فكرة حقوق الإنسان في العالم العربي، حيث تتم تنشئة الطفل "الذكر" على تبني فكرة المساواة بينه وبين الأنثى، وذلك من خلال ترسيخ مفهوم "الإنسان" لذاته دون أي معيار جنسي يتصل بالذكورة أو الأنوثة، أي معيار بيولوجي، لتكون مثل هذه المناهج رافداً أو روافد مهمة لتدريب الطفل الذي سيصبح شاباً ثم رجلاً في المجتمع على تقبّل الأنثى كإنسان مثلها مثله، ومن ثم لا يستغرب ولا يتخذ موقفاً "رجولياً" من المرأة حين التعامل معها، لكن الحياة بمنطق نزار قباني، حين يقول:

"تسقط الأنثى إذا تزني...

وسرير واحد ضمهما...

وكم مجرم دام الزنى لا يسأل؟

تسقط الأنثى ويُحمى الرجل"؟

هو منطق ساقط، لأن الحياة لا تقوم إلا بالأنثى في كل مجال وليس في مجال غرفة النوم أو المنزل فقط.